الغيابُ يطول، والأيامُ تمضي، والشوقُ للدّيارِ قاتل، فها هو الشهرُ الأول يَطوي أوراقه، ويمضي راحلًا بكُلِّ أفراحهِ، وأحزانه، وقَسوته. فما معنى أن تُصبحَ مُغْتربًا بين رمشةِ عينٍ وأخرى؟ أي أن تُصبح بعيدًا كل البُعد عن أهلك وأُناسك. فمنهم مَن قال ليست هناك غربةٌ في الوطنِ ذاته، ولكنَّ ألم الحنين أشبه باللَهيبِ المُشّتعل في أيسرِ الصدر. ورود
ها هي الأيامُ تنقضي بكلِّ سُرعة، ولكني أشعرُ بأنها بطيئةَ المُضي، طويلة الساعات. فالاعتيادُ على الغُربةِ أمرٌ لا بُدّ منه. فالحياة مستمرة بإعطائنا الدروسَ الواحد تلو الآخر. فبكلُِّ بساطة نَحنُ مُجبرونَ على التعايشِ في أي بُقعةٍ كانت. ففي أحد الأيام استيقظتُ فجأة لأجدني بأنّي ابتعدتُ كثيرًا عن المنزل، ومن يومها كسرتُ حاجز الخوف الكامن بداخلي، لاِستطيعَ مواجهةَ العالم الخارجي بمفردي، وفي يومٍ آخر وجدتُ نفسي أنخرطُ بكل هدوءٍ وسطَ مجتمعٍ لا أنتمي له بَتاتا، أضحكُ، أتحدثُ، أعمل، أنام، لا بأسَ فأنا اعتدتُ كُلِّ هذا. ولكن كلَّ البأسِ أن يطولَ الغياب كثيرًا، ويتعاظمُ الشوق والحنين بداخلي، فأنا لم أعتد كل هذا الغيابُ الطويل من قَبل. ورود
صديقي القارئ: تَخيّل معي أنّك تُعاني من نزيفٍ داخلي، لا أحد يَلحظه، ولكنّه يُرهقك، ويُزهقك حدَّ الهلاك.. تَخيّل معي أنّك تَمكثُ في ظلامٍ حالكُ السواد، لا تَسطيع رؤيةَ ضوء الشمسِ أبدًا.. هل تَخيّلت معي؟! حسنًا، بطبيعتنا نَحنُ البشر دائمًا نُردّد بعض الكلام بدونِ أيّ أدنى وعيٍ منّا، وكأنّنا بُرمجنا على هذا النوعِ من الكلام، مثلًا: لا أحد يفهمني مهما تكلمت، أو لا أحد يشعر بي؛ فمن الأفضل أن أصمت، ولا أخبر أحدًا عمّا أشعر به. لهذا في الكثير من الأحيان نلجأ إلى الكتمان، وعدم البَوح عن مشاكلنا، وأحزاننا، ومشاعرنا بشكلٍ عام. ولكن هل فكرّنا ولو لمرةٍ واحدة عن آثارِ هذا الكُتمان؟ لا أعتقد أي أحدٍ منّا فكرّ فيما يُخلّفه هذا الكُتمانِ على صحتنا، فنحنُ باعتقادنا أنّنا أقوياء بكُتماننا لجميعِ مشاعرنا التي تعترينا، ولكن في حقيقةِ الأمر نحنُ نتأذى جسديًا، فمن الأمثلة على هذا: نشعر بألمٍ مُستمرٍ في العظامِ والعضلات، ونشعرُ بالصُداعِ المُلازم لنا كُلما تعرضنا لأحد المواقفِ المؤلمة، كذلك يحدثُ لدينا ارتفاعٌ في ضغطِ الدم، وفي بعضِ الأحيانِ يحدثُ ارتفاعٌ في مستوى ...
تعليقات
إرسال تعليق